صديق الحسيني القنوجي البخاري
147
فتح البيان في مقاصد القرآن
له صلّى اللّه عليه وسلّم والجمع للتعظيم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ قيل المراد بالفريق هم الذين كانوا مع موسى عليه السّلام يوم الميقات والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه . يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ أي التوراة وقيل إنهم سمعوا خطاب اللّه لموسى عليه السّلام حين كلمه ، وعلى هذا فيكون الفريق هم السبعون الذين اختارهم موسى ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ أي يغيرونه ويبدلونه والتحريف الإمالة والتحويل ، وثم للتراخي إما في الزمان أو في الرتبة ، والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة فجعلوا حلاله حراما أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم كتحريفهم صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإسقاط الحدود عن أشرافهم ، أو سمعوا كلام اللّه لموسى عليه السّلام فزادوا فيه ونقصوا ، وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر وإنكار على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه الحال ، أي ولهم سلف حرفوا كلام اللّه وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم متبعوه سبيلهم مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ أي علموا صحة كلام اللّه ومراده فيه وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي ذلك الذي فعلوه هو تحريف مخالف لما أمرهم اللّه به من تبليغ شرائعه كما هي ، فهم وقعوا في المعصية عالمين بها وذلك أشد لعقوبتهم وأبين لضلالتهم . واعلم أن التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدلان ومحرفان لفظا أو تأويلا ، فأما التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل ، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدثين إلى أن ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرح به البخاري ، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ آل عمران : 93 ] وهو أمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالاحتجاج بها ، والمبدل لا يحتج به ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها ، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا بدل بعض منهما وحرف لفظه ، وأول بعض منهما بغير المراد منه ، وأنه لم يعط منها موسى لبني إسرائيل غير سورة واحدة وجعل ما عداها عند أولاد هارون ، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر ، وبعد ذلك جمع عزير بعضا منها ممن حفظها فهو الذي عندهم اليوم ، وليس أصلها ، وفيه زيادة ونقص وخلاف وترجمة وتأويل . وأما الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه وهو مختلف النسخ ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 76 إلى 78 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا نزلت في اليهود ، قال ابن عباس أن منافقي